الشنقيطي

60

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة ، والأزهار الجميلة ، والروائح الطيبة ، تعلم أن الطين خير من النار . الثالث : أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين : فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم ؛ لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع ، بل قد يكون الأصل رفيعا والفرع وضيعا ، كما قال الشاعر : إذا افتخرت بآباء لهم شرف * قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا وقال الآخر : وما ينفع الأصل من هاشم * إذا كانت النفس من باهله قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [ 37 ] . لم يبين هنا ما هذه الكلمات ، ولكنه بيّنها في سورة الأعراف بقوله : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) [ الأعراف : 23 ] . قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [ 40 ] . لم يبين هنا ما هذه النعمة التي أنعمها عليهم ، ولكنه بينها في آيات أخر . كقوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [ البقرة : 57 ] . وقوله : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ [ البقرة : 49 ] الآية ، وقوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 ) [ القصص : 5 - 6 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ 40 ] . لم يبين هنا ما عهده وما عهدهم ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله : وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ المائدة : 12 ] ، فعهدهم هو المذكور في قوله : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ المائدة : 12 ] ، وعهده هو المذكور في قوله : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [ آل عمران : 195 ] الآية . وأشار إلى عهدهم أيضا بقوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .